الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

315

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

الإحراق ، ثم من كيفية قربها وشكل القطن ووضعه منها ، وسائر ما يقارن المورد ينتزع تقدير الإحراق من حيث الكم والكيف مثلا ، فحينئذ إن احترق القطن يعلم أنه من الأمر المحتوم الذي لا يردّ ولا يبدل ، وإن لم يحترق وظهرت رطوبة في القطن مخفيّة علينا فمنعت عن أن تؤثر النار في القطن فهذا هو البداء ، أي ظهور ما خفي علينا كما هو المفروض وإن كان يابسا لا مانع معه من الاحتراق ، كان ذلك قضاء وإمضاء وهو الإحراق من الفاعل والاحتراق من المحل وهو محل الحكم البتّي . وبعبارة أخرى : في تحقيق معنى البداء ، وهو أنه لا ريب في أنا لا نريد شيئا إلا لمصلحة علمناها فنريده لتلك المصلحة ، ثم إنه ربما يتعلق العلم بمصلحة أخرى في مورد المصلحة السابقة توجب ردّ المصلحة الأولى ، فحينئذ نريده بهذا الداعي الأخير الناشئ من المصلحة الثانية ، فحينئذ نقول في الاعتذار عن رفع اليد عن الأولى إلى الثانية : قد بدا لنا ، فالبداء في حقّنا هو ظهور ما كان خفيا من الفعل ، لظهور ما كان خفيا من المصلحة والعلم ، هذا أصل معنى البداء ، ثم إنه توسعنا في الاستعمال فاستعملناه على ظهور كل فعل كان الظاهر أولا خلافه ، فيقال : بدا له ، أن يفعل كذا ، أي ظهر من فعله ما كان الظاهر منه خلافه . ثم إنه قد علمت ، أن الشيء إنما يوجد بعد وجود مقتضياته وعلله التامة ، التي يستحيل معها عدمه ، بل يجب حينئذ وجوده ومن العلل عدم وجود المانع ، كما علمت ، فحينئذ نقول : إذا وجد الشيء يكشف عن وجود علله وعدم موانعه ، وإذا لم يوجد مع وجود علله يكشف عن وجود المانع ، فيتحقق حينئذ البداء . ومن المعلوم أن علمه تعالى بالموجودات والحوادث مطابق لما في نفس الأمر من وجودها ، فله تعالى علم بالأشياء من جهة عللها التامة ، وهو العلم الذي لا بداء فيه أصلا ، وله علم بالأشياء من جهة مقتضياتها التي تكون موقوفة التأثير على وجود الشرائط وفقد الموانع ، وهذا العلم يمكن أن يظهر خلاف ما كان ظاهرا منه بفقد شرط أو وجود مانع وهو المراد بقوله : ( يمحو اللَّه ما يشاء ويثبت ) 13 : 39 .